فخر الدين الرازي

83

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم ، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة ، والدليل لم يقم على إبطالها ، فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها . وأما الجواب عن الشبهة الثانية : أنه لا يجب حصول تلك الصداقة والعداوة مع كل واحد وكل واحد لا يعرف إلا حال نفسه ، أما حال غيره فإنه لا يعلمها ، فبقي هذا الأمر في حيز الاحتمال . وأما الجواب عن الشبهة الثالثة : فهو أنا نقول : لا نسلم أن القول بوجود الجن والملائكة يوجب الطعن في نبوة الأنبياء عليهم السلام ، وسيظهر الجواب عن الأجوبة التي ذكرتموها فيما بعد ذلك ، فهذا آخر الكلام في الجواب عن الشبهات . دليل وجود الجن من القرآن : المسألة الثانية : اعلم أن القرآن والأخبار يدلان على وجود الجن والشياطين : أما القرآن فآيات : الآية الأولى قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأحقاف : 29 ، 30 ] وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن ، وعلى أنهم أنذروا قومهم ، والآية الثانية قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ، [ البقرة : 102 ] والآية الثالثة قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام : يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا [ سبأ : 13 ] وقال تعالى : وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [ ص : 37 ، 38 ] وقال تعالى : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ - إلى قوله / تعالى : وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ سبأ : 12 ] والآية الرابعة قوله تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الرحمن : 33 ] والآية الخامسة قوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [ الصافات : 6 ، 7 ] وأما الأخبار فكثيرة : - الخبر الأول : روى مالك في « الموطأ » ، عن صيفي بن أفلح ، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري ، قال : فوجدته يصلي ، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته ، قال : فسمعت تحريكا تحت سريره في بيته ، فإذا هي حية ، فقمت لأقتلها ، فأشار أبو سعيد أن اجلس ، فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال : ترى هذا البيت ؟ فقلت نعم ، فقال : إنه كان فيه فتى حديث عهد بعرس ، وساق الحديث إلى أن قال : فرأى امرأته واقفة بين الناس ، فأدركته غيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها بسبب الغيرة فقالت : لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك ، فدخل فإذا هو بحية مطوقة على فراشه فركز فيها رمحه فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتا ، فما ندري أيهما كان أسرع موتا : الفتى أم الحية ، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : إن بالمدينة جنا قد أسلموا ، فمن بدا لكم منهم فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان . الخبر الثاني : روى مالك في « الموطأ » عن يحيى بن سعيد قال : لما أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رآه ، فقال جبريل عليه السلام : ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفئت شعلته